السيد كمال الحيدري
367
منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي)
لارتقاء مقام الإيمان بالله تعالى ، فلابدَّ من أمر آخر غير التنصّل وهو الكفر بالطاغوت ، والكفر به يعني قطع جميع الوشائج به والكفّ النهائي عن متابعته ومحاربته أينما كان في كلّ زمان ومكان ، وبجميع صوره . ثانياً : إنَّ للكفر بالطاغوت ضرورة لابدَّ منها تتعلَّق بالتمسّك بالعروة الوثقى ، فما لم يحصل كفر به لا يحصل تمسّك بها ، وبعبارة أُخرى : إنَّ الطاغوتية ليست مانعة من الإيمان بالله فقط ، وإنما مانعة من التمسّك بعروته الوثقى . ولكي تصل النوبة للتمسّك لابدَّ من وقوع الكفر الحقيقي المطلق بالطاغوت ، وهذا التصريح بالكفر لا يكون ملاكه البراءة الظاهرية من الطاغوت وإنما لابدَّ من قطع كلّ ميل قلبي تجاهه ، والقدر المُتيقَّن هو إيقاف كلّ أثر يستدعيه ما بقي من الميل إليه ، ولا يُمكن للإنسان المؤمن أن يشعر بجذوة إيمانه وسعادة التمسّك بالعروة الوثقى إلا بعد انطفاء كلّ انتماء للطاغوت واتّقاد البراءة منه ومن أتباعه ، والعمل على إنقاذ الأرض من براثنه . قال الطباطبائي : ( وإنما قدَّم الكفر على الإيمان في قوله : فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللهِ ، ليوافق الترتيب الذي يناسبه الفعل الواقع في الجزاء أعني الاستمساك بالعروة الوثقى ، لأنَّ الاستمساك بشيء إنما يكون بترك كلّ شيء والأخذ بالعروة ، فهناك ترك ثمَّ أخذ ، فقدَّم الكفر وهو ترك على الإيمان وهو أخذ ليوافق ذلك ، والاستمساك هو الأخذ والإمساك بشدّة ) « 1 » ، فالتمسّك بالعروة الوثقى فرع الإيمان بالله ، والإيمان بالله تعالى متوقّف على الكفر بالطاغوت ، فاقتضى الجزاء ، وهو التمسّك ، تقديم الكفر بالطاغوت على الإيمان بالله تعالى ، وبهذا التقديم والتأخير انسجم الأثر المُترتِّب على الإيمان بالله تعالى .
--> ( 1 ) الميزان في تفسير القرآن : ج 2 ، ص 344 . .